نحن جميعًا بشر، مخلوقون من طين ومن إلهٍ واحد، نملك بعض الصفات المتشابهة ونختلف في بعضها، ولعلّ أهم هذه الاختلافات هو عنوان مقالنا اليوم. فهناك ملايين الأشخاص يعانون من التفكير المفرط، ولستَ أنت وحدك، بينما يوجد قسمٌ آخر لا يعاني منه. ويمكنني أن أُشبّه التفكير المفرط بالقاتل، نعم بالقاتل، الذي يدخل إلى دماغي ويمزّق خلاياه بالأفكار المتكررة؛ سواء كانت سعيدة فيحوّلها إلى حزينة، أو حزينة فيجعلها أسوأ. فالتفكير المفرط أشد فتكًا بالشخص من ذاته.
ما هو التفكير المفرط؟ ما أسبابه وأضراره وطرق علاجه؟
فلنبدأ بالسؤال الأهم والذي أُبدي له الأولوية:
التفكير المفرط: هو عادة ذهنية سلبية تتمثل في اجترار الماضي أو القلق المفرط بشأن المستقبل، أو حتى الحاضر، مما يعيق اتخاذ القرارات ويؤثر سلبًا على الصحة النفسية والجسدية .
وما أصعبه على نفسية شخص عزيز عليك، يا عزيزي القارئ، وأنت لا تعرف كيف تتعامل معه. لهذا السبب يجب أن تحاول أن تكون لطيفًا معه وأن تفهمه؛ لأن كلمة صغيرة قد تؤثر فيه وفي مجريات يومه وأحداثه كلها، وقد تؤلمه أيامًا حتى لو كانت بسيطة. حاول أن تحافظ عليه، فهو بالتأكيد حنون.
وإذا تعمّقنا أكثر سنجد أن هناك التفكير الطبيعي والتفكير المفرط، ومن الممتع والمحبب أن نفرق بينهما، فمن الجميل أن تزداد علمًا بهذا الأمر.
التفكير الطبيعي هو تحليلٌ بهدف الحل، وجمعُ الإمكانيات والأفكار في مسارٍ واحد، والتفكير بطريقة واحدة تُسهّل عليه هذه المهمة.
أما التفكير المفرط، فهو مكانٌ للمتاهات والدوامات اللامتناهية دون بوابة خروج؛ وما إن تتعلق بهذه الدوامة لن تخرج قبل أن تصبح قتيل أفكارك السيئة المتكررة، خاصةً إذا وقع شخصٌ ذو تفكيرٍ مفرط في مشكلةٍ ما، يبدأ بالتفكير: أنا فاشل، حياتي توقفت هنا، مستقبلي توقف هنا، لن أستطيع الاستمرار، ويصبح مجردُ المحاولة أمرًا مستحيلًا، ويغدو الأمر السهل غير قابلٍ للحل.
وراء هذا السلوك أسباب أعمق، وهي:
1-القلق والتوتر: الميل إلى التحليل المفرط للمواقف لتجنّب الأخطاء أو النتائج السلبية.
2-السعي للكمال (المثالية): الرغبة في أن تكون الأمور مثالية تؤدي إلى الخوف من اتخاذ القرار.
3-ضعف الثقة بالنفس: الشك المستمر، فيعيش الشخص في صراع داخلي مع كل خيار، حتى أبسط القرارات تصبح معركة.
4-بيئة العمل أو الحياة: الضغوط العالية والعلاقات السامة تزيد من هذا النمط.
5-التجارب السابقة: اجترار الصدمات أو الفشل ومحاولة تحليلها لتفادي تكرارها.
و من الجميل ان يكون هناك جانب علمي
فما رأيكم الآن أن نغوص في عالم العلم ونعرف لماذا يفعل العقل ذلك، فيتصرف كالحارس ويكرر تحليل الموقف مرارًا معتقدًا أنه سوف يمنع الخطأ القادم؟
عندما يشعر الدماغ بالقلق، تنشط مناطق الجهاز الخوفي في العقل، مما يؤدي إلى زيادة التفكير. وهذا الحدث يقوم برفع هرمون الكورتيزول، مما يسبب إرهاقًا ذهنيًا وجسديًا، ويضعف الجهاز المناعي، ويرتبط بزيادة خطر الاكتئاب والقلق بنسبة خمسةٍ وثلاثين بالمائة. كما يؤدي إلى نظرية العملية الساخرة التي تثبت أن محاولة كبت الأفكار تجعلها ترتد بقوة أكبر.
فلنحاول أن نجمع أضراره التي تهشم أدمغتنا، فهي محدودة بأربع نقاط:
1-مشاكل نفسية: مما يزيد من احتمالية الإصابة بالوحش الذي يجعل سواد عيونك أوضح؛ الاكتئاب والقلق المزمن والوسواس القهري.
2-أعراض جسدية: مشاكل في النوم مثل الأرق، وارتفاع ضغط الدم، والسمنة، وأمراض القلب.
3-شلل اتخاذ القرار: العجز عن اتخاذ خطوات، كأنك مكبل بحبال مشدودة جدًا، والبقاء عالقًا في الفكرة.
4-اضطرابات هضمية: تأثيرات سلبية على القولون والمعدة.
يا للأسف، يا عزيزي القارئ، لقد اقتربنا من نهاية مقالنا الذي شعرتُ فيه بالحماس والاستمتاع. سأخبرك بسرٍّ عني: أنا شخص أعاني من هذا التفكير المفرط، وأحاول جاهدًا التخلّص منه، ولهذا السبب وجدتُ طرقًا جيدة يمكننا الالتزام بها لتعيننا وتجعلنا أقوى من هذا العدو الفتّاك الذي ترعرع في أدمغتنا.
1-تحديد وقت للتفكير: فلنخصص من ربع ساعة إلى نصف ساعة يوميًّا للتفكير في همومنا، وتجاهلها في باقي الوقت.
2-تحدّي الأفكار السلبية: اسأل نفسك عن مدى صحة هذه الأفكار، وهل يوجد دليل واقعي عليها.
3-ممارسة اليقظة الذهنية والرياضة: التركيز على الحاضر، وتمارين التنفس العميق، والنشاط البدني لتفريغ العقل.
4-القبول بالكمال غير الموجود: تقبّل أن الأخطاء جزء من الحياة، وأن القرارات لا يجب أن تكون مثالية دائمًا.
5-التركيز على الحلول: تحويل التفكير من المشكلة نفسها إلى خطوات عملية لحلّها.
ويا عزيزي القارئ، نصيحة أخوية مني لك: إن كان تفكيرك سلبيًا جدًا، فلا تتخذ أي قرار قبل مرور أربعٍ وعشرين ساعة على هذه الفكرة، أو نصف ساعة إن كنت مستعجلًا، وحاول أن تلتزم بالنقاط التي ذكرتها. شافانا الله وعافانا من هذا الابتلاء.
- رامي
على هامش الفكرة .