JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
Home

التخطي والتعافي: من الألم إلى السلام الداخلي .

 في يومٍ من الأيام، جالسٌ لوحدك في غرفتك، ممسكٌ هاتفك، وتتكلم مع أكثر شخصٍ أحببته في حياتك، وعلى وجهك ابتسامة، وبلحظةٍ غير متوقعة انقلبت الابتسامة، وصارت عبوسًا وحزنًا؛ السبب: أن هذا الشخص تخلى عنك، وقرر أن يُكمل حياته بدونك، وهنا الحزن سوف يؤدي واجبه ويتراكم بداخلك حتى يتحول إلى شيءٍ يُسمى بالاكتئاب، وهذا ليس موضوعنا لليوم وسوف يكون عنوان مقالٍ آخر، وبسبب هذا الاكتئاب، وبعد فترةٍ وجيزة بعض الأسئلة ستبدأ بالدوران والظهور في 

عقلك، وأنت لا تريد تجنبها بل تريد إجابتها، وهي: ما هو التخطي وكيف؟


وبينما تظهر هذه الأسئلة يتحرك التخطي متقدمًا معرفًا بنفسه على أنه عملية نفسية واعية لتجاوز الآلام، والخذلان، والتجارب النفسية، لا تعني النسيان حرفيًا بل تعني اختيار النمو، وتجاوز ما يطفئ الروح، والتركيز على السلام الداخلي.

لا يتوقف التخطي عن تعريف نفسه بهذه الطريقة فقط، بل هو ينقسم إلى محورين: لغةً واصطلاحًا.

لغةً: تجاوز الشيء، وتعدّيه، مثل تخطي الحفر أو الحدود.

اصطلاحًا (نفسيًا): هو قرار واعٍ بالابتعاد عما يستنزف الطاقة، وتجاوز المواقف والمشاعر التي توقف القلب.

وهو لا يُعد نسيانًا، بل هو القدرة على تذكر الموقف أو الماضي دون أن ينزف القلب بوجع، أو دون أن تُدار من خلاله مجددًا.

ويُعد شجاعةً لا ضعفًا؛ لأنه انتصار النفس على ضعفها وشعور بالخفة، وكأن جبلًا أزيح عن كاهلك، وتطور في الشخصية، بل هو انتقالٌ من مرحلة الألم إلى مرحلة النمو، وإعادة بناء قدرة النفس على التشافي، والتعافي من الصدمات، والخيانات.


وبما أن التعريف قد أدى أمانته وأوفى بواجبه، فلنذكر مثالًا جميلًا على التخطي، وبطل هذا المثال أحد الشخصيات العظيمة التي ذُكرت في التاريخ العربي، بل هو ليس مجرد عظيم، بل فخر واعتزاز للجميع، وهو أبو الطيب أحمد بن الحسين بن جعفي الكندي، الذي اشتهر بلقب المتنبي.

في الماضي، عندما أُبعد المتنبي عن عزيزه وصديقه سيف الدولة بعد سنوات من القرب والمكانة، شعر بالإهانة والخذلان، كان بإمكانه التوقف وأن يعيش حياته في الماضي ويصبح شخصًا نادمًا على الحياة، لكنه لم يفعل، بل خرج وتنقل بين البلاد، واستمر في كتابة الشعر حتى أصبح اسمه خالدًا عبر القرون، وهذا هو التخطي بأجمله أشكاله.

تألم المتنبي لكنه لم يتجمد.

خسر مكانة جميلة ورائعة لكنه لم يخسر نفسه.

أُغلقت صفحة خارج إرادته، لكنه أكمل في كتابة قصته.


أجمل المتنبي وقصصه، ليومنا هذا نستفيد منه ونتعجب من حياته، لكن المهم الآن، هل تعلم يا عزيزي القارئ أن التخطي يشتمل على أكثر من جانب في الحياة؟ فهو يشمل تخطي العلاقات المستنزفة والأشخاص الذين سرقوا الشغف، وتجاوز الفشل والخسارات ليكون بداية النضج، وتخطي المواقف المحزنة والمشاعر السلبية.

وهذه الجوانب جميعها تصب في مصلحتك الشخصية، فهي في النهاية تعود بالنفع لك وتجعل منك شخصًا آخر ذو تجارب يحتذى بها، وشحذ نفسه وروحه وشخصيته بها لتُصقل في المستقبل.

جوانب التخطي عجيبة ورائعة، وما بين روعة التخطي يوجد ما يسمى بالتعافي، ويفرق التخطي عن التعافي بأن التخطي هو إيقاف مؤقت للمشاعر وقد يعود الألم أحيانًا عند التذكر، أما التعافي فهو الشفاء الحقيقي، إزالة جذور السبب من الأرض، وقتل نبتة الوجع، والتعامل مع الذكرى بسلام.


ما أروع التعافي، وما أجمله عندما تحصل عليه، مثل مكافأة بعد الوجع. ومن المؤكد أنني لن أذكر كل هذه الجماليات عن التخطي دون أن أذكر أهميته، فهو يمنحك السلام الداخلي، ويحميك من تراكم الأثقال العاطفية، وينقلك من دور الضحية إلى دور الشخص القوي الذي يختار مستقبله. كل هذه الإيجابيات وجمال الحياة بعد التخطي، ولقد وصلنا لهدفنا الأهم: كيف نتخطى؟

نتقبل الواقع والاعتراف بما حصل دون إنكاره، ونحوّل الألم إلى قوة. فمن المؤكد أن لديك طاقة كبيرة كانت موجهة لهذه العلاقة أو شيء آخر، وبعد ذهابها عادت إليك هذه الطاقة، ويجب أن تستغلها في تطوير نفسك وبنائها بقوة، حتى لا تتزحزح مجددًا، مثل أن تضع قواعد قوية لمنزلك حتى لا يسقط بسبب الزلازل. ضع أهدافًا جديدة، فالتخطي يحتاج منك تحريك حياتك للأمام، وليس البقاء في الماضي. ومن الجميل أيضًا أن تغير بيئتك أو روتينك، وأن تتسامح مع نفسك والآخرين. التخطي لا يعني الانتقام من الآخرين، بل هو الانتقام من نفسك حتى لا تعود حبيسة نفس المشاعر.


ويَا عزيزي القارئ، أنا متيقن أنك تتسائل بداخلك وتقول: ماذا عن الفراغ العاطفي؟

الفراغ العاطفي لا يعني أنك وحيد، بل يعني أن هناك مساحة داخل نفسك تحتاج لأن تمتلكها أنت. فعليك أن تجلس قليلًا مع نفسك، وتحاول وضع أهدافك لمستقبلك، وفهم نفسك، والتعرف على ذاتك أكثر، من أجل ملء هذا الفراغ. وفي النهاية، تذكر أن كل شيء، مثل العلاقات أو الأصدقاء، هو إضافة لحياتك وليس أساسًا لها.


الله، ما أسرع الأوقات! ولم أشعر حقًا بالوقت كيف مضى وأنا أكتب هذا المقال. حقًا استمتعت به، فكنت مستفيدًا منه قبلك يا عزيزي القارئ.

أتمنى أن أكون تركت أثرًا رائعًا بداخلك، وفائدة عظيمة تفيدك. ولو شعرت أن هناك شخصًا يحتاج هذا المقال، أرسله له بدون تردد، ولك أجره إذا ساعده هذا المقال على التحسن.

-رامي

على هامش الفكرة.

NameEmailMessage